مصطفى ديب البغا / محيي الدين ديب مستو
96
الواضح في علوم القرآن
الصحف والسطور ، ومشافهة من الأفواه والصدور ، ولم يستغنوا في يوم من الأيام بأحد الطريقين عن الآخر . وهكذا نجد عثمان رضي اللّه عنه يزيد هذا المعنى رسوخا في أذهان المسلمين ، فحتى لا يعتمدوا على الكتابة ويتكلوا على النسخ فحسب ، راح يرسل مع النسخ إلى الأمصار ، كبار الصحابة من القراء ، فقد كان زيد بن ثابت مقرئ المصحف المدني ، وعبد اللّه بن السائب مقرئ المكي ، والمغيرة بن شهاب مقرئ الشامي ، وأبو عبد الرحمن السلمي مقرئ الكوفي ، وعامر بن عبد القيس مقرئ البصري . وما أن توزّعت المصاحف الجديدة على البلدان الإسلامية ، حتى أحرق كلّ مسلم ما كان عنده من قبل ، وأقبل الناس يعكفون على هذه الأصول الوثيقة المعتمدة ، نسخا وكتابة وحفظا ، بالتلقي والمشافهة ، مما يزيدنا يقينا أن المصحف الذي بين أيدينا اليوم ، هو القرآن الذي نزل على قلب المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم . لا سيما وقد علمت أن إحدى نسخ المصحف الإمام بقيت حتى القرن الثامن الهجري ، وأن لدى المكتبات الإسلامية اليوم ، مصاحف تعود إلى ما قبل هذا التاريخ . وهكذا فتاريخ هذا الكتاب سلسلة متصلة ، لا تفقد حلقة من حلقاتها ، فتثير بفقدانها الظنون والشكوك ، وصدق اللّه العظيم : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [ الحجر : 9 ] وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ( 41 ) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [ فصلت : 41 - 42 ] .